تخطي للذهاب إلى المحتوى

سنوبيرسر

4 أبريل 2026 بواسطة
علي العلوي


ألف مقطورة ومقطورة. أعجوبة هندسية من تصميم السيد «ويلفورد»، الملياردير والمهندس غريب الأطوار. في كلّ ثلاثمئة وخمسة وستين يومًا، تلفّ حول العالم ثلاث مرات إلا قليلًا. حركتها الدائمة تولّد الطاقة، وتحمي المسافرين على متنها، وهم كلّ ما تبقى من الجنس البشري، من التجمد في صقيع عصر جليدي جديد، أحدثته محاولة فاشلة للتعامل مع ظاهرة الاحتباس الحراري.


على متن هذا القطار تدور أحداث رواية فرنسية مصوّرة، رُسمت فصول أجزائها الأربعة على مدى ثلاثة وثلاثين عامًا. ورغم أنّه لم تكن نيّة مؤلفها الأصلي، «جاك لوب»، التوسع في تفاصيلها على أكثر من جزء، إلا أن القدر كان يخبئ لحكاية «محطّم الثلج» مفاجآت لم تكن في الحسبان، أولها المنيّة التي وافت الرسام «دومينيك فاليت»، المعروف بـ «أليكسيس»، ما إن اتفق «لوب» معه على العمل في المشروع.


بعد رحيل «أليكسيس» المباغت، بحث «لوب» عن رسام بديل لأربع سنوات، حتى تعاون أخيرًا مع «جان مارك راشيت»، الذي أنجز معه، في عام 1982، كتاب «محطّم الثلج» (تغيّر عنوانه لاحقًا إلى «الهروب»). وعندما توفي «لوب» بعد ثماني سنوات، طلب «راشيت» من الكاتب «بينجامين ليغراند» كتابة جزء متمّم للرواية تكريمًا لذكراه. وهكذا، صدر جزء «المستكشفون» عام 1999. وفي عام 2000، صدر للرواية جزء ثالث بعنوان «العبور». وبعد مرور خمسة عشر عامًا، نسج الكاتب «أوليفر باكويت» آخر فصول الحكاية في جزء رابع وأخير، هو «المحطة الأخيرة».



شاشة السينما: محطة العالمية


في عام 2013، وبعد أن قرأ الرواية كاملة وهو واقف أمام الرفّ الذي عثر عليها فيه صدفة في أحد متاجر القصص المصوّرة في العاصمة «سول»، حوّل المخرج الكوري «بونغ جونغ هو»، بالتعاون مع «هوليوود»، الرواية إلى فيلم. ليصبح، بفضل ميزانيته التي بلغت 40 مليون دولار، أحد أكثر الأفلام الكورية كلفة حتى الآن. وعلى الرغم من نجاحه الساحق في بلده الأم، إلا أن رحلته إلى الولايات المتحدة شهدت معركة إرادات بين «بونغ»، الذي استمات في فرض رؤيته الإبداعية لدرجة الكذب بشأن مهنة والده لإنقاذ مشهد سريالي من الحذف، ورئيس الشركة الموزّعة المعروف بهوسه في تقطيع الأفلام لجعلها أكثر اتساقًا مع أهدافه التجارية.


في نهاية المطاف، أثبتت العروض التجريبية أن نسخة «بونغ» هي المفضلة لدى المشاهد. لكن شركة «واينستين» لم ترضخ للواقع، إذ أحالت الفيلم الذي كان من المفترض أن يسوّق تحت راية علامتها الرئيسية إلى إحدى شركاتها الفرعية المعنية بالإصدارات المتخصصة. وفي النتيجة، عوضًا عن أن يُطلق الفيلم في أكثر من ألفي دار للسينما حول الولايات المتحدة، أُطلق في ثماني دور فقط، ووصل في ذروة عرضه إلى 356 دارًا، وهو الحدّ الأقصى الذي يمكن أن يصل إليه عمليًا قبل أن تطرحه الشركة في منصات المشاهدة حسب الطلب بعد أسبوعين فقط من عرضه في دور السينما. والمفارقة أن محاولة تحجيم العمل ساهمت في نجاحه على منصات البث، واكتسابه شهرة عالمية عبدت الطريق لأن تبصر الترجمة الإنجليزية من الرواية النور في عام 2014 ، لتصبح، بعد أن كانت قصة مغمورة في أوروبا، واحدة من أكثر الروايات مبيعًا في العالم.


وربما كان هذا النجاح أيضًا هو ما دفع «راشيت» للعودة في عام 2019، ليكمل المشهد، بالتعاون مع المؤلف الفرنسي «ماتز»، من خلال ثلاثية تمهيدية تعود بالقارئ لحقبة ما قبل الكارثة، وتكشف الأحداث المروعة التي سبقت عصر الجليد الجديد، وأفضت إلى أن يصنع السيد «ويلفورد» أعجوبته.


المسلسل: سكة أخرى


وفي عام 2020، عرضت قناة «تي إن تي» مسلسلًا تلفزيونيًا مستوحى من الفيلم وسلسلة الكتب، إلا أن أحداثه التي تجري بعد سبع سنوات من تحول الأرض إلى كرة جليدية، تدور في سياق منفصل.


ومثل الرواية، لم تكن ولادة المسلسل يسيرة، حيث إنّ الخلافات بين منتجيه والقناة أبقته حبيس أدراج مراحل الإنتاج الأولى لأربع سنوات. وما أن عُرض موسمه الأول أخيرًا، حتى تعثرت مواسمه اللاحقة نتيجة إغلاق استوديوهات الإنتاج في «هوليوود» بسبب جائحة كورونا. وكاد موسمه الرابع والأخير أن يُلغى تمامًا بعد أن أعلنت قناة «تي إن تي» توقفها عن إنتاج المسلسلات، لولا استحواذ قناة «إيه أم سي» على حقوق المسلسل وعرض موسمه الأخير بعد معالجته فنيًا.


وكان للمسلسل الفضل في مناقشة المواضيع التي تطرّق لها الفيلم بتعمّق أكبر، وفي تسليط الضوء على تفاصيل الخيال العلمي المتعلقة بالقطار والعالم الذي تدور فيه الأحداث. غير أن العثرة التي واجهها الموسم الختامي جعلته ضعيفًا ومليئًا بالثغرات، ممّا أثار حفيظة عدد ملحوظ من المعجبين. في المقابل، عبر قسم آخر منهم عن امتنانه لـ«إيه أم سي» على تقديمها خاتمة انتشلت المسلسل، رغم كلّ عيوبها، من مقبرة الأعمال الملغاة، وحمت معجبيه من البقاء عالقين في شرك النهايات المبتورة.

مجتمع المقطورات


يناقش «سنوبيرسر» قضية الصراع الطبقي، والظلم الاجتماعي، وسياسات الصراع من أجل البقاء، إذ تنجح ثيمة المقطورات التي يقطنها الناس بحسب طبقتهم الاجتماعية في تجسيد واقع البشرية المرير مع هذه المشاكل. أما أحداثه التي تحتدم بسبب محدودية الموارد، والتوزيع غير العادل للثروات، فتدفع المشاهد للتأمل في الأيديولوجيات التي يتعلق بها المسحوق من أجل الصبر على البؤس، وفي حقيقة أمله بالمخلّص الذي يرجو منه النجاة، لتقود في نهاية المطاف إلى سؤال ما زال ينتظر الإجابة:

هل النظام الظالم أفضل من الفوضى… أو الفناء المحتوم؟!