في الأيام الماضية، وبينما كنت أحاول الشروع في أحد المشاريع، وجدت نفسي أعاني من حالة شلل نتيجة الحيرة التي أوقعني فيها سؤال بسيط، وهو: من أين أبدأ؟ فهل أطلق الموقع الإلكتروني أولًا؟ أم القائمة البريدية؟ أم حسابات التواصل الاجتماعي؟ أم حريّ بي أن أعكف على تطوير المنتجات المرتبطة بالمشروع قبل أي شيء؟ أم لعلّ الأجدر بي أن أضرب بهذا كله عرض الحائط، وأبحث عن مشروع أكثر أكثر جدوى.
والطامة الكبرى أن كلّ خيار من هذه الخيارات يقود إلى شبكة من الخيارات الفرعية التي تقتضي بدورها اتخاذ قرارات حاسمة. فمثلًا، لو قررت أني سأقوم بتدشين وسائل التواصل الاجتماعي كخطوة أولى، فبأيّ منصة سأبدأ؟ وأيّ برنامج سأختار لصناعة المقاطع المرئية وتحرير الصور؟ وإن رجّحت كفة البدء بقائمة بريدية فبأيّ لغة سأكتب؟ وأيّ منصة سأعتمد؟ أما التساؤلات المتعلقة بالموقع الإلكتروني، والتفاصيل التقنية الخاصة بتطوير المنتجات فحدّث عنها ولا حرج… وهذا كله بافتراض أنني قد حسمت أمري حيال المشروع الذي سأعكف عليه، والمنتج الذي سأطرحه في السوق.
وأمام هذا السيل من الخيارات المتاحة والقرارات العالقة وأطنان من المعلومات، رحت أتنقل من موضوع إلى آخر، من نظام «أودو» إلى «ووردبريس» وأطر العمل (Frameworks) والقوائم البريدية وصولًا إلى «سابستاك»... حتى أنساني ذلك كلّه مهمتي الأساسية! وفي ظلّ هذه الفوضى العارمة، قررت كتابة هذا المقال لنستكشف من خلاله ماهية هذه الحالة، والعوامل المسببة لها، والآثار المترتبة عليها، وأنجع السبل للتعامل معها.
فائض الخيارات
هذه الحالة، يُطلق عليها (Choice Overload)، وتُعرف أيضًا بـ(overchoice) أو (choice paralysis). ولأني لم أجد تعريبًا متداولًا لهذه المصطلحات، لنسميها في هذا المقال «فائض الخيارات» أو «شلل الخيارات». ومسألة «شلل الخيارات» هذه، ذكرها أول مرّة العالم الأمريكي «آلفين توفلر»، المختص في مجال المستقبليات، حين قال في كتابه «صدمة المستقبل»، الصادر في العام 1970، إنّه سيأتي على البشرية يوم تعاني فيه من تخمة خيارات تقودها إلى الشلل، إذ إن كثرة الخيارات تقود إلى صعوبة في اتخاذ القرار، والصعوبة في اتخاذ القرار تقود إلى تأجيله، والتأجيل يقود بدوره إلى الشعور بعدم الرضا، وانخفاض مستوى الثقة بالخيارات المتاحة، وارتفاع احتمالية الندم على القرارات المتخذة، ليفضي ذلك كله في آخر المطاف، ليس فقط إلى الشلل الذي ذكره توفلر فحسب، بل حتى إلى التوتر والاكتئاب.
لماذا يصيبنا فائض الخيارات بالشلل؟
تصيبنا الخيارات التي لا تنتهي بالشلل لأننا، كبشر، نمتلك طاقة ذهنية محدودة. وعندما تنهال على أدمغتنا الخيارات دون توقف، تصل أذهاننا المرهقة من فرط التفكير والمقارنات إلى درجة لا تستطيع فيها الاستمرار، فنشعر حينها أن الخيارات قد غمرتنا وشلتنا عن الحركة.
والمصيبة أننا لا نفكر في الخيارات المتاحة فحسب، بل حتى في الخيارات التي لا نعرفها ولكن نفترض وجودها، فيساورنا الخوف والقلق من أن تفوتنا فرصة الاستفادة منها (وهذا ما يسمى بظاهرة الخوف من تفويت الفرصة، أو الفومو FOMO).
وفوق ذلك، يقول عالم النفس الأمريكي «باري شوارتز»، في كتابه «مفارقة الاختيار»، إننا لا ننشغل بالقرارات التي تخص الحاضر فقط، إذ أن القرارات التي اتخذناها في الماضي ثم ندمنا عليها تطاردنا من جهة، فيما تتربص بنها هواجس قرارات المستقبل من جهة أخرى.
بالله عليكم، أيّ عقل يمكنه التعامل مع كلّ هذا؟ قرارات في الماضي، وقرارات في المستقبل، وخيارات نعرفها، وأخرى لا نعرفها، ومعلومات صحيحة، والكثير من الهراء… لا غرابة إذًا، إن توقفت عقولنا عن العمل، وعجزنا عن التفكير، وقررنا تأجيل مهامنا الملحة إلى وقت لاحق.
العوامل المسببة لـ«شلل الخيارات»
السعي لتحقيق الاستفادة القصوى
الساعون لتحقيق الاستفادة القصوى (Maximizer) هم من أكثر الناس عرضة لـ«شلل الخيارات»، إذ أنهم يقضون جلّ وقتهم في دراسة الخيارات، ومقارنتها بالبدائل، والنظر في الاحتمالات، وهكذا يفنون أعمارهم بحثًا عن الخيار المثالي الذي يفيدهم إلى أقصى حدّ ممكن. وهم عكس أولئك الذين يرضون بالقرار الجيد، الذي يفي بالغرض، وإن لم يحقق لهم أقصى درجات الاستفادة.
يقول «شوارتز» إن الباحثين عن الاستفادة القصوى هم أقل سعادة وإيجابية، وأكثر تعاسة مقارنة بالأشخاص القانعين الذين يتركون الأمور تسير بطبيعتها. لذلك، إن كنت يا صديقي تبحث عن الاستفادة القصوى، وتريد دائمًا أن تتخذ القرار الأصح، وتمضي في الخيار الأفضل، فاعلم أن هذه السياسة وإن كانت إيجابية من حيث المبدأ، إلا أنها باب للمشاكل، خصوصًا في ظلّ وفرة الخيارات في عصرنا الحالي. لأنها ستجعلك تبحث عن البديل تلو البديل، وتقضي وقتك في الدراسة والتفكير والتحليل إلى أن تجد نفسك عالقًا في حفرة حفرتها لنفسك من حيث لا تشعر، وقد طمرتك الخيارات وغمرتك، وجعلتك عاجزًا عن التفكير ومشلولا عن الحركة. أما القانعون، في المقابل، فلا تضايقهم وفرة الخيارات، لأنهم لا يغوصون فيها، ولا يشتتون أنفسهم في تفاصيلها، ولا يرهقون عقولهم.
حالة عدم اليقين
وإن كنت لست متيقنًا مما تريد، ومع ذلك تريد اتخاذ القرار الأصح، ومعرفة الخيار الأفضل من بين الخيارات والاحتمالات التي لا تنتهي، فالوضع سيكون أكثر تعقيدًا. فالجهل بما نريد بالتحديد، وعدم توفر المعلومات الكافية حول الخيارات المتاحة، يحفز «فائض الخيارات» على شلّ قدرتنا في اتخاذ القرار. وعلى العكس، عندما نعرف ما نحتاج إليه بشكل دقيق فإن ندرة الخيارات هي ما يؤثر علينا سلبًا، بحسب الدراسات.
التقنية
في عام 2005، أيّ قبل ظهور الهواتف الذكية، قال «شوارتز» في خطاب له ضمن مؤتمر «تيد»، إن التقنية أحد الأسباب التي تجعلنا نشعر بأن «فائض الخيارات» يغمرنا ويشلنا عن الحركة. واليوم، بعد أن وصلت التقنية لما وصلت إليه، ليس هناك من شك بأنها تغمرنا بكم هائل من المعلومات والخيارات التي تجعلنا في حاجة مستمرة لاتخاذ القرارات، الواحد تلو الآخر.
تداعيات «شلل الخيارات»
الفشل في اتخاذ القرار
كما أسلفنا، يعطل «فائض الخيارات» قدرة العقل على التفكير، ممّا يقود إلى التأجيل وما يترتب عليه من عواقب وخيمة.
المبالغة في رفع سقف التوقعات
من جهة أخرى، يدفعنا الشعور بفائض في الخيارات لرفع سقف توقعاتنا مقارنة مما كان سيكون عليه في ظلّ الخيارات محدودة، بل ويجعلنا متشددين تجاه هذه التوقعات. وفي كثير من الأحيان، قد يكون شعورنا بهذا الفائض مجرد وهم، إذ أن وجود الخيارات لا يعني بالضرورة أنها متاحة أو مناسبة.
في الماضي، كان ابن النجار نجارًا، وابن الصباغ صباغًا، وخيارات المرء في الطعام واللباس والزواج… وكل شيء… محدودة. لم تكن هناك مواقع إلكترونية ولا وسائل للتواصل الاجتماعي، ولم يكن العالم قرية صغيرة. وبعيدًا عن المفاضلة بين الماضي والحاضر، يمكن القول أن حياة الإنسان آنذاك كانت مرسومة سلفًا إلى حدّ كبير، ولم يكن يحتاج لإرهاق عقله في التفكير بعدد لا محدود من الخيارات، ولا أن يلهث وراء توقعات تزيد أو تنقص. أما اليوم، فلأننا نعرف أن هناك خيارات لا نهائية في الحياة، نتوقع، لمجرد علمنا بوجودها، أننا نستطيع تحقيق كل ما يخطر على البال، ولكن هل هذا هو الواقع؟
كيف نتعامل مع «فائض الخيارات»؟
بطبيعة الحال، لا يمكننا تقليص الخيارات الموجودة في واقعنا إلى مستوى يستطيع عقلنا البشري استيعابه. لكن ما نستطيع فعله هو اللجوء إلى بعض الأساليب التي تحد من الآثار السلبية لـ«فائض الخيارات»، ومنها ما يلي:
عدم الاستعجال في اتخاذ القرار
يعد الوقت أحد أهم العوامل التي تحدد مدى وكيفية تأثير فائض الخيارات علينا. فكلما ضاق الوقت الذي يجب أن يتم فيه اتخاذ القرار، زاد شعورنا بالشلل، وأصبح اتخاذه صعبًا ومقلقًا، وارتفع احتمال ألا نكون راضين عنه في نهاية المطاف.
وفي بعض الحالات، تكون الحاجة للاستعجال في اتخاذ القرار كاذبة، إذ نخلقها لأنفسنا مدفوعين بالرغبة في الانتهاء من المهمة التي نحن بصددها، أو لرغبتنا في شراء سلعة أو منتج معين، أو لأن هناك من يلحّ علينا كي يبيع بضاعته.
وفق ذلك، يعتبر وضع موعد نهائي مناسب لاتخاذ القرار من أهم الأساليب التي تكافح حالة الشلل التي يسببها «فائض الخيارات»، بل ويخفف هذا الأمر من الألم المرافق لعملية اتخاذ القرار، ويقلل من احتمالية الندم عليه في المستقبل.
وفي كل الأحوال، من المهم ألا نعلق دوامة التحليل والمقارنات العقيمة التي لا تسفر عن أيّ نتيجة تذكر. نحن نحتاج وقتًا كافيًا للتفكير والتحليل والمقارنة، لكن لا ينبغي أن يستمر هذا الوقت إلى الأبد، ولا بدّ من لحظة حاسمة نتخذ فيها القرار.
الفصل بين لحظة اتخاذ القرار ووقت التفكير في الخيارات
بالإضافة إلى عدم الاستعجال ومنح أنفسنا الوقت الكافي لدراسة الخيارات ومقارنة البدائل، ينبغي أن نفصل بين مرحلة دراسة الخيارات ولحظة اتخاذ القرار. فعندما نتخذ قرارنا في نفس اللحظة التي ندرس فيها خياراتنا، كما يفعل الباحثون عن الحد الأقصى من الاستفادة عادةً، نقع في المشاكل. لكن عندما لا نثقل كاهلنا بالتزام يحتم علينا الاختيار، ونركز جهودنا في التعرف على الخيارات المتاحة دون قلق أو ضغط نفسي تفرضه الرغبة أو الحاجة في اتخاذ القرار فورًا، تصبح حركتنا في بحر الخيارات أسهل بكثير.
التعرف على الخيارات المتاحة كلما سنحت الفرصة
قارن باحثون بين مجموعة اختار كل فرد فيها باقة سفر للذهاب في عطلة مرتقبة، ومجموعة أخرى قامت بالعملية نفسها ولكن من باب التجربة فقط، وليس من الذهاب في عطلة فعلية، فوجدوا أن المجموعة الثانية أدت المهمة بشكل أفضل. وليس هذا فحسب، بل وجدوا أن هذه القرارات التجريبية تبعث في الفرد الحيوية والنشاط. وعليه، فإن التجول في السوق، والاطلاع على الخيارات المتاحة من حولنا قبل أن نكون بحاجة إليها، هو أمر مفيد للغاية، بشرط أن نضع لأنفسنا قاعدة صارمة تمنعنا من القيام بأي عملية شراء في الأثناء. ويمكن للقيام بهذا الأمر بين الفينة والأخرى أن يخفف الإجهاد الذهني الذي سنعاني منه عندما نصبح بحاجة لاتخاذ قرار، وسيسمح لنا بالشعور بالمتعة ونحن نعيش تجربة اتخاذ القرار هذه.
اعتماد القرارات بشكل نهائي
قلنا فيما سبق إن الندم ينتج من «فائض الخيارات»، وهو ذلك الشعور المزعج الذي يحاول إقناعنا بأننا اتخذنا قرارًا خاطئًا. وإذا كان هذا القرار يمكن التراجع عنه، سيتمكن الندم من ادخالنا في حيرة مقلقة حول ما إذا كان من الأجدى بنا التراجع عن هذا الخيار. لنعود، بعد أن اتخذنا قرارنا، إلى المربع الأول من جديد، ونصبح أمام خيارين هما المضي في القرار أو التراجع عنه. وللتعامل مع هذه المشكلة يقول «شوارتز»، صاحب «مفارقة الاختيار»: اعتبر قراراتك نهائية، وبعد أن تتخذ قرارك، لا تستغرق في التفكير في نواقصه، وإلا فلن تحصد سوى التعاسة.
الامتنان
ومن المستحسن أيضًا أن يتحلى المرء بالإيجابية، وينظر إلى الجوانب المشرقة في قراراته السابقة، ويتجاهل الجوانب المظلمة، رغم إدراكنا أن الأخيرة قد تفوق الجوانب المشرقة في بعض الأحيان.
تبني منهج عملي
أخيرًا يا أصدقاء، الخيارات تفضي إلى خيارات أخرى، وكلما اتخذنا قرارًا وجدنا المزيد منها ينتظرنا، وكلما فتحنا بابًا وجدنا أمامنا أبوابًا أخرى، لكننا لا نستطيع القفز على المراحل. نحن نعرف خيارات واحتمالات المرحلة الراهنة، لكننا لن نعرف خيارات المرحلة التالية إلا عندما نصل إليها، فإن توقفنا مطولًا عند كل مرحلة بحثًا عن الخيار الأمثل الذي لا تشوبه شائبة، فلن ننتهي أبدًا. لنكن عمليين ونختار، ونؤمن أنه حتى لو كان قرارنا غير مثالي، فهناك قرارات أخرى قادمة ستكون أفضل، وأن محصلة الحركة بشكل عام ستكون إيجابية. ومهما ارتكبنا من أخطاء، أو بلغ عدد القرارات السيئة التي اتخذناها، تنتظرنا مرحلة جديدة بكل ما تحمله من فرص. ولذلك، لا حاجة لتوقع تفاصيل الرحلة من بدايتها لنهايتها، ولا يُشترط أن تكون قراراتنا وخياراتنا صائبة دائمًا، فلنتخذ كل قرار في وقته، ونعيش كل مرحلة بحسب ظروفها، ولنمضِ قدمًا.
الإبحار في المجهول
ولا بدّ أن نعرف أيضًا أننا لا نتحكم بالمستقبل، فالانفصال عن هذا الوهم سيساعدنا على التعامل مع «فائض الخيارات». وعليه، لا بدّ من أن نقبل المجهول، ونتنازل عن رغبتنا في التوصل لتفسير منطقي لكل ما يصادفنا. وكما يقول الشاعر النمساوي «راينر ماريا ريلكه»: بدلاً من البحث عن الإجابة، استمتع الآن بالسؤال، ودع المستقبل يأتي بما يحمله.
خاتمة
لفائض الخيارات الذي يعيشه العالم الحديث آثار سلبية ناتجة عن عدم قدرة أذهاننا على استيعاب كلّ الخيارات دفعة واحدة. ومن أخطر هذه الآثار السلبية التسويف الذي قد يؤدي لعدم اتخاذ القرار مطلقًا. ولمعالجة هذه الآثار، ينبغي التروي في اتخاذ القرار، والفصل بين لحظة اتخاذه ووقت التفكير فيه، كما ينبغي الإلمام بما هو مطروح من خيارات كلما سنحت الفرصة، وتقبل الإبحار في المجهول، والاقتناع بالقرارات الجيدة حتى وإن كانت لا تحقق القدر الأقصى من الاستفادة.