تخطي للذهاب إلى المحتوى

أطنان الملاحظات

كيف تنجو من فخ تكديسها وتضاعف إنتاجيتك؟
25 أبريل 2026 بواسطة
علي العلوي

 ألجأ إلى الكتابة دائمًا حين أرغب في ترتيب أفكاري، ممّا أسفر عن تجربتي للعديد من طرق وأدوات الكتابة وتدوين الملاحظات. ولو رمتُ حصرها الآن لما استطعت، ولو حاولت لمللتم مني سريعًا. ولكني سأمرُّ، على أية حال، مرور الكرام على أهم محطات هذه التجربة، بغية تسليط الضوء على مشكلة تعاني منها فئة ليست بالقليلة.


طرق تدوين الملاحظات: تجربة شخصية 

في فترة من الفترات، كنت أستخدم برنامج «ون نوت» التابع لشركة «مايكروسوفت»، ثم سرعان ما انتقلت منه إلى «نوشن» بعد أن أبهرني بمميزاته. وسنتحدث عن هذا الـ«نوشن» بشيء من التفصيل، لكن قبل ذلك لا بد من الإشارة إلى أنني، وعلى الرغم من قدراته المتقدمة وملاءمته للكثير من احتياجاتي، وجدت نفسي أستخدم أداتين أخريين على الأقل إلى جانبه.


فالأولى هي تطبيق «الملاحظات» الخاص بهواتف «أبل»، إذ إنني عندما تطرق رأسي فكرة ما وأنا في خضم حديث مع أحدهم، أو في غمرة الانشغال بأمر ما، فإن تدوينها في برنامج معقد كـ«نوشن» قد يبعث على تبرم الطرف الآخر، أو يؤدي إلى تشتيت الانتباه وقطع زخم العمل، لذا كان لا بد لي من وسيلة تتيح التدوين بسرعة وبساطة. أما الأداة الثانية فهي مستندات «جوجل»، لكونها المساحة المُثلى لكتابة النصوص المطولة، لا سيما العربية منها. (ملاحظة: جرى تحسين دعم اللغة العربية في «نوشن» في فترة لاحقة لكتابة هذا المقال).

وفي مرحلة لاحقة، أهدتني والدتي جهاز «آيباد برو»، وحينها حرّضني قلمه الذكي على العودة إلى عهد الكتابة اليدوية عوضًا عن النقر على لوحة المفاتيح، فشرعتُ في تدوين ملاحظاتي عبر تطبيق «كولا نوت»، إلى أن وقعتُ على دراسة أكاديمية تخلصُ إلى أنَّ الكتابة بالقلم التقليدي على الورق تتفوق في فعاليتها على الكتابة بالقلم الذكي فوق الشاشات الزجاجية، وأنَّ هذه الأخيرة بدورها أجدى من الطباعة على لوحة المفاتيح. وربما نتطرقُ لتفاصيل هذه الدراسة لاحقًا لما تنطوي عليه من نقاط مثيرة، بَيْد أنني الآن، وتجنبًا للاستطراد، سأكتفي بالقول بأنها حفّزتني لاعتماد الورق والقلم في التدوين ما استطعتُ إلى ذلك سبيلًا. لكنَّ هذه العودة لم تخلُ من ضريبة، إذ تبعثرت ملاحظاتي بين دفترٍ هنا وآخَر هناك، وفوق هذه القصاصة وتلك، حتى لم يبقَ موضعٌ خَطَطْتُ عليه ملاحظةً ما. وهذا كلُّه بالطبع، يُضافُ إلى الملاحظات الرقمية المتناثرة في ثنايا التطبيقات آنفة الذكر… وأولها نوشن المثير للجدل!



«نوشن».. وما أدراك ما «نوشن»: هل يعزز الإنجاز أم يشتت الانتباه؟


ولفهم الجدل الدائر حول هذا البرنامج، لا بد من إدراك ماهيته، وهو باختصار بيئة عمل شاملة لتدوين الملاحظات وإدارة المهام. ولعلّ من أخطر وأهم مميزاته في آنٍ واحد «قواعد البيانات» التي يتيح لك إنشاءها، وتخصيصها، وربطها ببعضها بعضًا.


وطوال سنواتٍ من استخدامي له، أنشأتُ العديد من قواعد البيانات، وكدّستُ فيها ما شاء الله من المعلومات والملاحظات، وما زلت أواظب على تحديثها وتطويرها باستمرار. وهذا التحديث الدؤوب يقودني لاستنباط مزيدٍ من الأفكار، التي تدفعني بدورها لتدوين مزيدٍ من الملاحظات، مما يضطرني للغوص مجددًا في دوامة مستمرة من الترتيب والتنسيق داخل بيئة «نوشن». فهل يخدم هذا الجهد الإنجاز ويفضي إلى نتيجة فعلية، أم أنه مجرد إدارة عبثية للفوضى وتسويف مُقنَّع؟


ولستُ وحدي من يطرح هذا التساؤل، فلو ألقيتَ نظرةً على مجتمع التطبيق في موقع «ريديت»، لوجدتَ قطاعًا عريضًا يتساءل: هل يُحفّز «نوشن» على الإنجاز حقًا، أم أنَّ آفاقه اللانهائية توقعنا في فخ «إدمان التنظيم»، حيث ننشغل بتنميق القوالب وهندسة القوائم عوضًا عن المباشرة في العمل الفعلي؟ ويبدو لي، بعد خبرة طويلة مع هذه الأداة، أنَّ الفارق يكمن في منهجية الاستخدام، إذ يمكن لـ«نوشن» أن يكون محركًا مذهلًا للإنجاز إذا ما أُحسِنَ توظيفه. وإذا كنتَ ممن يستخدمون هذه الأداة، أو تفكر في خوض تجربتها، وترغب في التعرف على سبل توظيفها لصالحك، فلا تنسَ الاشتراك في القائمة البريدية، لتكون أول من يصله المقال القادم، والذي سأتحدث فيه عن أسرار ترويض «نوشن» بطريقة تقرّبك من أهدافك الفعلية.


وبالعودة إلى صُلب الموضوع، نجدُ ملاحظاتي تتوزعُ شتاتًا بين «نوشن»، وتطبيق «الملاحظات» في هاتف «أبل»، ومستندات «جوجل»، وتطبيق «كولا نوت»، وصولًا إلى الورق التقليدي الذي ابتكره الصينيون منذ فجر التاريخ. هذا ولم أُحدّثكم بعد عن عشرات ملفات «إكسيل» التي أوظفها في إدارتي المالية والاستثمارية، وما تنطوي عليه من معادلاتٍ معقدة، بعضها ضروري وبعضها الآخر فائضٌ عن الحاجة!


وهكذا، تتراكمُ لديّ أطنانٌ من الملاحظات المبعثرة بين ثلاثة حواسيب، وخمس سحاباتٍ إلكترونية، وعددٍ هائل من الدفاتر والأوراق والقصاصات. هذه هي المفارقة التي أعيشها اليوم، فعلى الرغم من سعيي الدؤوب منذ سنوات لتبني نهج «تقليلي» يطالُ كلَّ شيء، بما في ذلك ما يزدحمُ في ذهني من أفكار، إلا أنني وقعت ضحيةً لهذا التكديس.


أسباب تكدس الملاحظات


أعتقد أن هذا الواقع هو نتيجة طبيعية لـ«فائض الخيارات» و«فوضى المعلومات»، اللذين يعدان من أكبر التحديات في عصرنا. وقد لخص عالم الاقتصاد وعلم النفس الحائز على جائزة نوبل، «هربرت سايمون»، هذه المعضلة بعبارته الشهيرة: «إن وفرة المعلومات تخلق بالضرورة فقرًا في الانتباه». وعند التعمق في هذه الحالة، سنكتشف أفخاخًا نفسية تجرنا نحو الاكتناز الرقمي، ولعل أبرزها:


 وهم المعرفة (أو مغالطة التجميع)

تقوم «مغالطة التجميع» على فكرة الخلط الشائع بين مجرد الاحتفاظ بالمعلومات واستيعابها فعليًا، إذ يرى «كريستيان تيتز» أنَّ الدماغ يتوهم، بمجرد حفظنا لمعلومة في تطبيق ما، أنَّه قد حازها معرفيًا. ووفقًا لهذا التفسير، حين ننسخ نصًا إلى «نوشن» مثلًا، يفرز الدماغ جرعة سريعة من هرمون «الدوبامين» كمكافأة على عملية الاستحواذ هذه، مما يمنحنا شعورًا كاذبًا بالإنجاز، بينما نحن في الحقيقة لم نفعل شيئًا سوى نقل الكلمات من وعاء إلى آخَر.


العمل الضحل

تبرع أدمغتنا في التهرب من المهام الصعبة أو «العمل العميق» كما يعبّر عنه الكاتب «كال نيوبورت» في كتابه. ولذلك نجدها، كلما حاولنا الانخراط في عمل يتطلب جهدًا ذهنيًا حقيقيًا، تحاول استدراجنا إلى «عمل ضحل» بديل، كترتيب بيئة العمل، وتصنيف الملاحظات، وابتكار الوسوم، وربط قواعد البيانات. وبينما نتوهم أننا ننجز من خلال هذه الأعمال الضحلة، فإننا في الواقع ننصاع لرغبة أدمغتنا التي لا تكترث بما يتوجب إنجازه فعليًا، بقدر ما يهمها استبدال ما هو شاق ومُجهِد ذهنيًا بما هو سهل ومريح.


تأثير زيجارنيك وفومو الأفكار

في عام 1927، وجدت عالمة النفس الروسية «بلوما زيجارنيك» أنَّ العقل البشري يميل إلى تذكر المهام والأفكار غير المكتملة، أو التي تمت مقاطعتها، بصورة أكبر من تلك المنجزة، إذ إن بقاء هذه المهام في الذاكرة النشطة يجعله أسير حالة من التوتر تجاهها. ولأن العقل، كما أسلفنا، ينزع دائمًا نحو «العمل الضحل»، فإن تدوين الملاحظات حول هذه الأفكار العالقة قد يكون حيلته لتفريغها من الذاكرة النشطة، وتسكين هذا التوتر الذهني الذي تسببه، دون أن يُكبّد نفسه مشقة الإنجاز. لكن المفارقة أن التدوين بهذه الطريقة، وإن أغلق عددًا من الدوائر الذهنية، فإنه بعشوائيته يفتح عددًا أكبر من الدوائر الجديدة، ناهيك عن أن الهدف من التدوين حينها يتحول برمته إلى مجرد محاولة لإسكات تلك الأفكار التي تصرخ في رؤوسنا، عوضًا عن بلورتها وتحويلها إلى واقع.


بلوما زيجارنيك


كيف ننجو من فخ تكديس الملاحظات؟


أعتقد أن الخروج من هذه الدوامة لا يكمن في البحث عن تطبيق سحري لتدوين الملاحظات فيه أو ابتكار نظام معقد لتنظيمها، بل في تبني عقلية جديدة تعيد الملاحظات والبيانات إلى حجمها الطبيعي كأدوات مساعدة للإنتاج، وتكفّ عن التعامل معها كغايات بحد ذاتها. ولترسيخ هذه العقلية وتفعيلها عمليًا، أرى أن الخطوات الثلاث التالية هي أهم ما يمكن البدء به:


تقليص الأدوات قدر الإمكان 

في البداية، لا بد من السيطرة على هذا الشتات وحصر الأدوات في حدّها الأدنى. فعلى سبيل المثال، يمكن الاقتصار على أداة واحدة للالتقاط السريع، وأخرى للمعالجة والحفظ. وتذكر دائمًا، تعدد الأوعية لا يعني تنظيماً أفضل، بل يقود غالباً إلى استنزاف طاقتك الذهنية في اتخاذ قرارات متكررة حول المكان المناسب لوضع هذه المعلومة أو تلك، بدلاً من صرف تلك الطاقة في معالجة المعلومة ذاتها. فضلًا عن أنَّ هذا التشتت يجعل الوصول إلى الملاحظات لاحقاً عمليةً شاقة ومعقدة، مما يفقد التدوين جدواه.


ثانيًا: التدوين الموجه للفعل

يقول خبير الإنتاجية «ديفيد آلن» في منهجيته الشهيرة GTD: لا تتعامل مع المعلومات ككتلة جامدة، بل اسأل نفسك دائمًا: «ما هو الإجراء التالي الذي يجب أن أتخذه إزاء هذه المعلومات؟». وبعبارة أخرى، لا ينبغي أن ندوّن الفكرة أو الملاحظة لمجرد حفظها، وإذا لم تكن مرتبطة بخطوة تنفيذية واضحة، فهي في الغالب عبءٌ ذهني يجب التخلص منه فورًا. لذا، انظر إلى ملاحظاتك بوصفها جسر عبور نحو الإنجاز، وبناءً على هذه الرؤية، حاول صياغتها بوضوح وجلاء، وبأسلوب يدفعك دائمًا نحو «العمل العميق».


إعلان الإفلاس

على مستوى البريد الإلكتروني، ثمة مفهوم يُطلق عليه «إعلان الإفلاس»، يُنسب إلى «شيري توركل»، أستاذة الدراسات الاجتماعية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. وقد راج هذا المفهوم في الأوساط المعنية عام 2004، حين أعلن «لورانس ليسيج»، أستاذ القانون في جامعة «ستانفورد»، فشله التام في السيطرة على بريده الإلكتروني بعد محاولة دامت ثمانين ساعة. وصرّح علنًا بعجزه عن الرد على أيٍّ منها، كما لو أنه أفلس وعجز عن سداد ديونه، مقررًا حذفها بالكامل، وداعيًا كل مُرسل لا يزال ينتظر ردًا منه بإعادة إرسال رسالته من جديد. ثم اتسع رواج هذا المفهوم بصورة أكبر بعد أن دوّن عنه المستثمر «فريد ويلسون» في عام 2007.

يعتمد هذا المفهوم على مبدأ مفاده أنَّ تكلفة محاولة تنظيف الرسائل المتراكمة تتجاوز كلفة فقدها، ولذا تفقد المحاولة قيمتها، ويصبح من الأجدى اتخاذ قرار جريء بحذف أو أرشفة كل الرسائل السابقة والبدء من جديد. وفي بعض الحالات، قد نحتاج إلى توظيف هذا المفهوم في التعامل مع الملاحظات، فحين تصبح كلفة غربلتها، أو ترتيبها، أو إدارتها، أو حتى مجرد بقائها (والذي كما أسلفنا يخلق حالة من التوتر في بعض الأحيان) أكبر من الفائدة المتحققة منها، يكون الخيار السليم هو اتخاذ القرار الجريء بإعلان الإفلاس، وتجاوز كل تلك القوائم والروابط والملاحظات وأفكار المشاريع المبتورة والمهملة منذ أشهر، إما عن طريق الحذف النهائي أو الأرشفة العميقة.

وتذكر دائمًا: ما لم تكن ثمة فائدة فعلية ملموسة من وجود فكرة أو ملاحظة في ذهنك، أو جهازك الإلكتروني، أو على الورق، فإنَّ كل ما يرتبط بها من مشاعر إنجاز آني أو مستقبلي هو محض وهم، وهي في الحقيقة ليست سوى ركام يحجب عنك وضوح رؤية الحاضر، إن لم تكن عاملاً من عوامل التوتر. وعلى كل حال، فإنَّ الفكرة التي تستحق البقاء ستطرق رأسك مجددًا حين تدعو الحاجة إليها، أمّا تلك التي تسقط في هاوية النسيان، فهي في الأغلب لم تكن تملك مقومات الحياة.


خاتمة

ختامًا، آمل أن يكون هذا المقال قد ساعدك على إدراك أن دفاتر وتطبيقات الملاحظات قد تكون أحيانًا مقابر للأفكار لا معامل للإنتاج، وأن المعرفة التي لا تُترجم إلى فعل قد تكون مجرد عبءٍ ذهني يثقل كاهلك ويسبب لك القلق، وأنَّ العبرة دائمًا فيما تنجزه لا فيما تفكر فيه أو تدونه. كما أرجو أن يكون قد قدم لك بعض الأساليب التي ستساعدك على تدوين الملاحظات وإدارتها والاستفادة منها بفعالية أكبر.

وإذا كنت تجد نفسك عالقًا وسط ملاحظات مشتتة، ومسودات غير مكتملة، ومشاريع مؤجلة، فأنا هنا لمساعدتك على جسر الهوة بين الفكرة والنتيجة. لنعمل معاً على توظيف الكتابة كأداة للتفكير والتخطيط، وهندسة نظام محكم لإدارة أفكارك، ومن ثم تحويلها إلى أصول مهنية جاهزة للاستخدام، سواء كانت عروضاً تقديمية، أو خطابات رسمية، أو خطط عمل تفصيلية، أو محتوى للتواصل، أو غير ذلك.

لا تترك ديونك المعرفية تتراكم. تواصل معي الآن لنعمل معًا على غلق دوائر القلق في رأسك الواحدة تلو الأخرى.